بين المركزيّة واللامركزيّة: أهم النماذج العالميّة.
بين المركزيّة واللامركزيّة: أهم النماذج العالميّة.
تُعد المركزيّة الإداريّة أوّل النظم التي اتبعتها الدول في الحكم والإدارة. وهي تقوم على أساس التوحيد وعدم التجزئة في اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات.
يُقصد بالمركزية الإدارية توحيد النشاط الإداري وتجميعه بيد السلطة التنفيذيّة في العاصمة، وهي التي تصدر القرارات لجميع الأقاليم (المحافظات)، وتمارس وظيفتها الإدارية بنفسها او بواسطة موظفين يعملون باسمها ويخضعون لها، وتشرف على جميع المرافق العامة، سواءَ كانت هذه المرافق تهمّ جميع الأقاليم (المحافظات) ام اقليماً معيناً فقط، ممّا يحقّق انسجامًا وسرعة في اتخاذ القرارات وتطبيقها على نطاق الدولة كلها.
وقد ارتبط هذا النظام تاريخيًّا بفكرة الدولة الموحّدة القويّة التي تسعى إلى فرض النظام والانضباط وتحقيق التنمية الشاملة من مركز القرار. وهو يحقق الوحدة الوطنية عن طريق التجانس الاجتماعي والإقليمي ويوفّر في النفقات المالية الحكومية ويتيح للموظفين اكتساب الخبرة والكفاية الاداية العالية في إدارة شؤون الدولة، ويوحّد الاتجاهات الثقافية والتربوية، والقيم والعادات والتقاليد السياسيّة.
غير أن التغيرات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية والحاجة المتزايدة إلى مشاركة المجتمعات المحليّة في إدارة شؤونها دفعت بالكثير من الدول إلى تبنّي نموذج اللامركزيّة خيارًا استراتيجيًّا لتحسين الأداء الحكومي وتعزيز كفاءة الخدمات العامة لاسيما وان للنظام المركز سيئات كانت مصدراً للانتقادات أبرزها تركيز شديد للسلطة المركزية الإدارية، وهذا ما يتعارض مع المبدأ الديمقراطي، وعدم تعرّف الإدارية المركزية الى حقيقة المشاكل التي تواجه المناطق المنتشرة بعيداً عن العاصمة، وتراكم المعاملات في الإدارة المركزية ... .
وتقوم اللامركزيّة على نقل السلطات والموارد من المستوى المركزيّ ( أي من الحكومة المركزيّة) إلى مستويات حكم محليّة من مناطق ومحافظات وبلديّات. ويُنظر إليها اليوم على أنها أحد أبرز مسارات إصلاح الإدارة العامة وتعزيز الحوكمة الجيدة. حيث تكون الوظيفة الإداريّة موزّعة بين السلطة المركزيّة القائمة في العاصمة، والهيئات والمؤسّسات الإقليميّة والمحليّة.
تتعدّد أشكال اللامركزيّة، ويمكن تصنيفها تحت خانة ثلاثة أنواع رئيسيّة:
اللامركزيّة المرفقيّة: وهي تعني إنشاء هيئات أو مؤسّسات مستقلّة تُناط بها مهام تقديم خدمات معينة (الصحّة أو التعليم مثلًا) مع بقاء الإشراف العام للحكومة المركزيّة، ومن دون نقل اي سلطة تشريعيّة اليها.
اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة: وهي نقل صلاحيّات تنفيذيّة إلى الحكومات المحليّة أو الإقليميّة من دون منحها سلطات تشريعيّة مستقلة، وتُستخدم بشكل كبير لتسيير الخدمات العامة بمرونة وفاعليّة.
اللامركزية الماليّة الموسعة: حيث تُمنح السلطات المحليّة صلاحيّات في جمع الضرائب والاقتراض ووضع وصرف الميزانيّات حسب أولويّاتها، مما يعزّز الاستقلال المالي والكفاءة في تخصيص الموارد.
نماذج عالميّة ناجحة في المركزيّة واللامركزيّة:
المركزيّة الفعّالة: الصين: تُعتبر الصين نموذجًا فعّالًا في تطبيق النظام المركزيّ في الحكم والإدارة. فقد تمكّنت الدولة من تحقيق إنجازات تنمويّة كبيرة من خلال تبنّي تخطيط مركزيّ صارم وتنفيذ منضبط للسياسات على كل المستويات.
مظاهر المركزية في الصين:
القيادة الموحّدة: تُتركّز السلطة في يد الحزب الشيوعيّ الصينيّ، ممّا يحقق انسجامًا كبيرًا في تنفيذ السياسات الوطنيّة.
خطط خمسيّة مركزيّة: تضع الحكومة المركزيّة خططًا اقتصاديّة واجتماعيّة طويلة الأمد يتم تنفيذها على مستوى الحكومات المحليّة.
رقابة صارمة: يتم تقييم أداء المسؤولين المحليّين بناءً على مدى التزامهم بالتوجيهات المركزيّة، وليس على مستوى نتائجهم المحليّة فقط.
نظام إداري هرمي: تتبع كل سلطة إداريّة للمستوى الأعلى منها مباشرة، وصولاً إلى المركز الرئيسيّ.
النتائج الإيجابية:
1 _ نجاح كبير في تقليص معدلات الفقر بوتيرة غير مسبوقة.
2 _ سرعة هائلة في تنفيذ مشاريع بنية تحتيّة ضخمة.
3 _ استقرار سياسيّ واقتصاديّ نسبيّ يعزز من موقع الصين العالميّ.
اللامركزية الإداريّة الموسّعة: ألمانيا:
تُعد ألمانيا من أبرز الأمثلة على تطبيق اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة من خلال نظامها الفدرالي، حيث تنقسم الدولة إلى 16 ولاية ، يمتلك كل منها صلاحيّات إداريّة واسعة.
ملامح النظام الألماني:
لكل ولاية حكومة وبرلمان يديران شؤونها.
الحكومة الفدراليّة مسؤولة عن السياسات العليا مثل الدفاع والخارجيّة، بينما تتولّى الولايات إدارة ملفات مثل التعليم والشرطة والتخطيط العمراني.
وجود مجلس اتّحادي يضمن مشاركة الولايات في صنع القرار الفدراليّ.
النتائج الإيجابية:
تحسين جودة الخدمات العامة عبر الاستجابة الفعّالة للاحتياجات المحليّة.
تعزيز الديمقراطيّة والمساءلة على المستوى المحليّ.
مرونة عالية في تطبيق السياسات بما يتناسب مع خصوصيّة كل ولاية.
اللامركزيّة الماليّة الموسّعة: سويسرا:
تُعد سويسرا نموذجًا رياديًّا في اللامركزيّة الماليّة، حيث تتمتّع الكانتونات (الولايات) والبلديّات بصلاحيات مالية كبيرة تُسهم في كفاءة إدارة الموارد وتعزيز العدالة بين المناطق.
سبل تطبيق اللامركزيّة الماليّة في سويسرا:
كل ّكانتون مستقلّ ماليًّا ويضع ميزانيّته وله سلطة فرض الضرائب على الدخل والثروة.
والتنافس قائم بين الكانتونات في تقديم أفضل الخدمات لجذب السكان والشركات.
آليّات إعادة التوازن الماليّ تتم عبر تضامن فدراليّ لدعم الكانتونات ذات الموارد المحدودة.
شفافيّة ماليّة ومساءلة شعبيّة عالية عبر استفتاءات دوريّة.
النتائج الإيجابية:
كفاءة ماليّة عالية في إدارة الموارد.
تحسين مستمرّ في مستوى الخدمات المحليّة.
تعزيز الرقابة والمساءلة الماليّة على المستوى الشعبيّ.
تمييز بين اللامركزيّة والفدراليّة:
في الاتحاد المركزي او الفدرالي تتحوّل الدول الداخلة فيه الى دويلات أو ولايات او مقاطعات، وتصبح الدولة الاتحادية هي الدولة الممثّلة للجميع. هذا الاتحاد يضم دولا عدة تندمج في دولة اتحادية واحدة، وتضطلع بالاختصاصات الخارجية باسم الدول الأعضاء، وبجانب من الإدارة الداخلية لدويلات الاتحاد أو ولاياته.
اللامركزيّة أداة إداريّة مرنة قابلة للتعديل.اما الفدراليّة فهي نظام سياسيّ ودستوريّ دائم، لا يمكن تغييره بسهولة من قبل الحكومة المركزيّة. وفي حين تسمح اللامركزيّة بنقل الصلاحيات من ضمن الإطار الإداريّ، تُعطي الفدرالية صلاحيّات دستوريّة للولايات أو المناطق، وتمنحها سلطة تشريعيّة وتنفيذيّة مستقلّة تمامًا عن السلطة المركزيّة.
المحصّلة:
للمركزيّة واللامركزيّة مزاياهما في ظروف محددة وبينما أثبتت الصين نجاحًا لافتًا في تطبيق نموذج المركزيّة الفعّالة، قدّمت ألمانيا وسويسرا أمثلة حيّة على كفاءة النظم اللامركزيّة، سواء في جوانبها الإداريّة أم الماليّة.
وفي المحصّلة لم يأتِ الاتّجاه نحو اللامركزية من فراغ، بل كان نتيجة ضغوط واقعيّة ومتطلّبات حديثة فرضت على الدول إعادة توزيع السلطات والموارد لتحقيق مشاركة أوسع ومرونة أعلى وتنمية أكثر توازنًا بين المناطق.
ولعل الخيار الأمثل لأي دولة يكمن في تحقيق توازن ديناميكيّ بين المركزيّة واللامركزيّة بما يخدم خصوصيّتها الوطنيّة ويعزّز من فعاليّة مؤسّساتها العامة.

