الخصوصية وكاميرات المراقبة في الاماكن السكنية _ قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018
عالج حضرة قاضي الامور المستعجلة في اميون، الرئيس اميل عازار بقراره رقم 242/2024، تاريخ 28/10/2024، المسألة القانونية المطروحة وفقاً للآتي:
حيث ان للمستدعية الصفة القانونية لطلب حماية الحق في حياتها الخاصة وخصوصياتها وفي كرامتها الانسانية الملتصقة بشخصها من اي انتهاك ناتج عن استخدام جارها المستدعى ضده لكاميرات المراقبة دون موافقتها، بغض النظر عن ملكيتها للشقة التي تقيم فيها،
... وحيث ان الاستدعاء الراهن يثير مسألة التوفيق بين استخدام كاميرات المراقبة في الاماكن السكنية كأداة فعالة لمكافحة الجريمة، وتوثيق الادلة، وتعزيز الامن الشخصي، الى جانب مراقبة الاشخاص الذين قد يكونون بحاجة الى انتباه خاص او رعاية، وبين ضرورة حماية الحقوق الاساسية، ولا سيما حق الافراد في صون حياتهم الخاصة وضمان عدم انتهاك خصوصيتهم
وحيث ان استخدام كاميرات المراقبة في الاماكن السكنية التي يتوقع فيها الافراد مستوى عال من الخصوصية، يجب ان يكون مقترناً باحترام خصوصية الآخرين، لا سيما السكان المجاورين، اثناء ممارستهم حياتهم وأثناء تنقلهم
وحيث ان صون كرامة الانسان يتحقق عبر احترام حياته الخاصة والمساحات التي يعيش فيها، بما يضمن استقلاليته الذاتية وحماية خصوصياته من التعرض لأي انتهاك
وحيث ان الدستور اللبناني يكفل في المادتين 8 و14 الحرية الشخصية وحرمة المنزل،
حيث تم التأكيد على الحق في الخصوصية في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) الذي صادق عليه لبنان في العام 1972 وأصبح نافذاً بموجب القانون المنفذ بالمرسوم رقم 3588 تاريخ 1/9/1972، في المادة 17 منه التي تنص على انه "لا يجوز تعريض اي شخص، بشكل تعسفي او غير قانوني، للتدخل في خصوصياته او في شؤون اسرته او منزله او مراسلاته، ولا لأي هجمات غير قانونية على شرفه او سمعته، يحق لكل فرد ان يحميه القانون من مثل هذا التدخل او هذه الهجمات"
وحيث كرس الاعلان العالمي لحقوق الانسان (UDHR) الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول 1948، والتزم به لبنان منذ تعديل الفقرة "ب" من مقدمة الدستور اللبناني بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 التي تنص على ان لبنان عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان، وفي المادة 12 منه التي تنص على انه: "لا يجوز تعريض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة او اسرته او مسكنه او مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل او تلك الحملات"،
وحيث علاوة على ذلك فان القرارات المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة كالقرار 68/167 والقرار 75/176 لعام 2020، والقرارات المعتمدة من قبل مجلس حقوق الانسان، آخرها القرار 3/55 لعام 2024، اكدت جميعها على اهمية الحفاظ على الحق في الخصوصية في العصر الرقمي،
وحيث ان انظمة المراقبة المنزلية يجب ان تتوافق مع قانون حماية البيانات الشخصية، اذ تعد صور الاشخاص وأصواتهم وأماكنهم وأنشطتهم المسجلة بواسطة الكاميرات بيانات شخصية تتيح تحديد هويتهم، ولأن اي عملية او مجموعة من العمليات التي تجرى على هذه البيانات الشخصية، مثل تسجيل الفيديو وتخزينه، سواء تم ذلك محلياً على اجهزة DVR/NVR او على انظمة NAS، او في السحابة... تعد بمثابة معالجة آلية تلقائية لها،
وحيث ان قانون المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي اللبناني (القانون رقم 81/2018، في اطار تكريسه لحماية الخصوصية كحق اساسي في البيئة الرقمية، قد وضع الأطر التنظيمية لمعالجة تلك البيانات، فاشترط الحصول على موافقة الافراد قبل جمع بياناتهم الشخصية او استخدامها، هذه الموافقة التي تستند الى مبدأ الاستقلال الذاتي للفرد، وتعتبر ضمانة لحماية الخصوصية والتحكّم بالبيانات الشخصية، فضلاً عن تعزيزها الشفافية والمساءلة، كما ألزم هذا القانون اقتصار جمع البيانات على ما هو ضروري لتحقيق الاغراض المشروعة المعلنة بما يعزز حق الافراد في التحكّم بمعلوماتهم الخاصة، وكذلك حظر معالجة البيانات ذات الطابع الشخصي الحساسة، بالاضافة الى ذلك، منح الافراد حقوقاً متعلقة بخصوصيتهم، مثل الاطلاع على بياناتهم، وتصحيحها، وحذفها، والاعتراض على معالجتها، كما اوجب التصريح والترخيص والنشر، الى جانب وجوب اتخاذ التدابير التقنية والادارية اللازمة لحماية البيانات من الاختراق مثل التشفير والتحكّم في الجهات التي يمكنها الوصول اليها، مع تحديده فترة احتفاظ تتناسب مع الغرض المحدد، وتأكيده على اهمية الرقابة والامتثال، وصولاً الى فرض عقوبات على المخالفات المرتكبة،
وحيث ان القانون المذكور لم يستثنِ من احكامه الا المعالجات المتعلقة بالنشاطات الشخصية التي يقوم بها الشخص حصرياً لحاجاته وذلك في المادة 85 منه المشابهة للمادة 2 فقرة 2 من اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)،
وحيث ان هذا الاستثناء يتعلق بالنشاطات الشخصية الحاصلة في بيئة منزلية او داخل اسرة ولغاية الاستعمال الشخصي او العائلي، وهي لا تشكل بطبيعتها خطراً على الخصوصية،
وحيث ينطبق هذا الاستثناء بالتالي على البيانات المرئية و/او المسموعة الخاصة، الناتجة عن كاميرات المراقبة، العائدة للمساحات الشخصية الخاصة، كبيانات كاميرات المراقبة المثبتة في المنزل، داخل غرفة المعيشة او غرفة النوم لمراقبة شخص مسن او في ملعب او في مسبح خاص لمراقبة طفل لأغراض السلامة او في مرآب خاص للسيارات، كلها بيانات خاصة لمساحات شخصية، يخرج النشاط المتعلق بها عن قواعد واطار قانون حماية البيانات الشخصية،
وحيث خارج هذا الاستثناء، فان استخدام كاميرات المراقبة في الاماكن السكنية التي يتجاوز نطاقها مراقبة الممتلكات الخاصة لصاحبها لتشمل اماكن او مساحات عامة كالشوارع، والارصفة، والممرات الخارجية، ومساحات حق المرور للعقارات المجاورة، والملكية المشتركة كالفسحة المشتركة لمرآب الابنية وممراته ومداخله ومخارجه، ومداخل الابنية والشقق، والادراج، والمصاعد وسواها، وكذلك ممتلكات الغير الخاصة، التي تتمتع بمستوى عال من الخصوصية يفوق اي مصلحة مشروعة قد تثار في هذا السياق، لا سيما عندما تتصل هذه الممتلكات بالمنازل المجاورة او بأي جزء منها، كأبوابها، ونوافذها، وشرفاتها، وفرنداتها، وولوجياتها، وحدائقها، وسائر اقسامها المختلفة، فيخضع للقواعد والأطر التنظيمية المتعلقة بحماية البيانات الشخصية التي يفرضها القانون رقم 81/2018، نظراً لما ينطوي عليه من تأثير على خصوصية الافراد في تلك المساحات المحمية، سواء كانت عامة، او خاصة مختلفة عائدة للغير، او مشتركة، او واقعة في منطقة وسطية بين العام والخاص،
وحيث يتبين من وقائع الاستدعاء الراهن ومن تقرير الخبير المكلف ان الكاميرات الثلاث المشكو منها يتجاوز نطاقها ملكية المستدعى ضده الخاصة لتشمل مساحة حق المرور العائد للعقار حيث مسكن المستدعية وأيضاً مدخل شقتها وأجزاء منها، دون موافقتها ودون التقيّد بسائر القواعد القانونية لمعالجة بياناتها الشخصية، ما يشكل، استناداً الى التعليل اعلاه، انتهاكاً مباشراً وصارخاً لحياتها الخاصة، وخصوصياتها، وكرامتها الانسانية، على النحو الذي يكفله الدستور اللبناني في المادتين 8 و14 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 17 منه والاعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة 12 منه والقرارات المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن مجلس حقوق الانسان المشار اليها آنفاً، فضلاً عن مخالفته للقواعد والضوابط التي يفرضها القانون رقم 81/2018،
حيث ان قاضي الامور المستعجلة، في معرض نظره في الاستدعاء الراهن بالصورة الرجائية، لا يملك ضمان ممارسة المستدعية لحقها في الوصول والتصحيح او الزام المستدعى ضده بتطبيق سائر الاحكام المنصوص عليها في القانون رقم 81/2018 بشأن بياناتها ذات الطابع الشخصي، نظراً الى ان ذلك يستلزم اختصام المستدعى ضده وفقاً للأصول النزاعية،
لذلك، يقرر:
- الزام المستدعى ضده بازالة الكاميرات المشكو منها خلال مهلة اقصاها ثلاثة أيام من تاريخ التبليغ، تحت طائلة غرامة اكراهية قدرها عشرة ملايين ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير، كما يرخص للمستدعية، بعد انتهاء المهلة المحددة، بازالة هذه الكاميرات تحت اشراف المحكمة.
قراراً معجل التنفيذ نافذاً على اصله يقبل الاعتراض، صدر رجائياً في غرفة المذاكرة....
(قرار رقم 242/2024، تاريخ 28/10/2024، قاضي الامور المستعجلة في اميون، الرئيس اميل عازار منشور في كساندر النسخة الالكترونية)

