تعارض احكام المعاهدات الدولية مع احكام القانون العادي
أوضحت محكمة التمييز العسكرية في قرارها رقم 105/2020، تاريخ 30/4/2020، ، الرئيس طاني لطوف، المستشارون القاضي المدني ليلى رعيدي والعسكريين العقيد الركن شادي نخلة، العقيد هيثم الشعار والعقيد الياس ابو رجيلي منشور في كساندر النسخة الالكترونية المسألة القانونية عند وجود تعارض احكام المعاهدات الدولية مع احكام القانون العادي وكيفية التطبيق على النزاع المعروض وفقاً للآتي:
" حيث ان المادة 2 اصول محاكمات مدنية تنص على انه عند تعارض احكام المعاهدات الدولية مع احكام القانون العادي تتقدم في مجال التطبيق الأولى على الثانية،
وحيث ان مبدأ سمو احكام المعاهدات الدولية على القانون العادي المنصوص عنه في المادة 2 اصول محاكمات مدنية يوجب التدقيق في الوضعية القانونية لهذه المعاهدات، وهل يمكن اعتبارها بالمطلق مصدراً للتشريع خصوصاً لجهة القوانين الجزائية وتحديد الجرائم وتعيين العقوبات على ضوء القاعدة القانونية المكرسة دستورياً لجهة لا جريمة ولا جزاء الا بناء على نص قانوني،
وحيث ان المفهوم القانوني للمعاهدة الدولية هو ان تكون موقعة من الدولة اللبنانية ومصادق عليها رسمياً حتى تكتسب مفهوم المعاهدة المقصود بالمادة 2 أ.م.م. وتسمو بالتالي على القانون العادي، اما لجهة اعتبارها مصدراً للتشريع فلا يمكن اعتماد مفعول آني لهذه المعاهدات خصوصاً عند تعارضها مع احكام القانون الداخلي، بالرغم من التسليم بمبدأ تسلسل القواعد القانونية بل يبقى لزاماً على الدولة التي ارتبطت بمعاهدة دولية تعديل نصوص القانون الوضعي الداخلي، بما يتلاءم مع احكام هذه المعاهدة، وهذا ما سار عليه الاجتهاد اللبناني والفرنسي وما فرضته ايضاً اتفاقية جنيف، التي تتناول حقوق الانسان الاساسية في الحرب من ضرورة اتخاذ الأطراف الموقعة عليها ما يلزم من اجراءات تشريعية لفرض عقوبات،
وحيث ان لبنان صادق على اتفاقية جنيف الاربع للعام 1949، ثم انضم الى البروتوكولين الاضافيين للعام 1977، لكنه فقط لم ينضم الى اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الانسانية للعام 1968 ولا لمعاهدة روما للعام 1998، اي المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت حيّز التنفيذ في 1/7/2000، فهل يستطيع ملاحقة جرائم القانون الدولي الانساني من جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وابادة جماعية وجريمة العدوان، من دون ان يقدم على تعديل قانون العقوبات ليشمل هذه الجرائم ويفرض عليها عقوبات محددة،
وحيث انه تطبيقاً لمبدأ "لا جريمة دون نص"، لا تستطيع المحاكم اللبنانية حالياً ملاحقة انتهاكات القانون الدولي الانساني، التي لا تخضع لمرور الزمن ولا تعتد بالحصانات الرسمية، لأنه غير منصوص عنها في قانون العقوبات، كما ان لبنان ليس صاحب اختصاص لممارسة الاختصاص الشامل، حيث تلتزم كل دولة بملاحقة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة كالتعذيب او المعاملة اللاانسانية او النفي والحجز غير المشروع الخ، رغم انه ملزم باحترام تطبيق قرار مجلس الامن رقم 1261 تاريخ 25 آب/اغسطس 1999، الذي ألزم كافة الدول بوضع حد للافلات من العقاب وملاحقة مرتكبي الانتهاكات الفظيعة لاتفاقيات جنيف للعام 1949،
وحيث انه لا يمكن بأي حال من الاحوال تحميل المحاكم اللبنانية على تنوعها من عادية او استثنائية ومهما علت درجتها، مسؤولية التقصير التشريعي المسؤولة عنه الدولة اللبنانية اخلاقياً لعدم مقاضاة مجرمي الحرب من خلال تعديل قانون العقوبات اللبناني لادراج جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وعدم اخضاعها مبدأ مرور الزمن،
وحيث انه فضلاً عن ذلك، فان مرور الزمن الجزائي في القانون اللبناني، يتعلق بالنظام العام، وقد اكد المشرع اللبناني على تمسكه به كسبب من اسباب سقوط دعوى الحق العام، عندما استثني من احكام تعليق المهل في المادة السادسة من قانون العفو رقم 84/91، تعليق مهلة مرور الزمن على الجنايات المرتكبة قبل نفاذه، في حين ابقاها سارية المفعول على الحق الشخصي الناتج عن الجناية، وهو بالتالي لا يخضع بدوره للقاعدة المحددة في المادة 2 اصول محاكمات مدنية، ويكون القانون الواجب التطبيق هو القانون الداخلي اللبناني وتحديداً اصول المحاكمات الجزائية، ويمنع بالتالي على المحكمة استبعاد نص قانوني نافذ بحجة تطبيق نص معاهدة، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد اللبناني عموماً والمحكمة العسكرية خصوصاً لجهة تطبيق احكام مرور الزمن وفق احكام اصول المحاكمات الجزائية متى توافرت شروطه القانونية،
وحيث انه على ضوء ما تقدم سابقاً يصبح من المتعذر على المحكمة اهمال نص المادة 2 اصول محاكمات مدنية وتكون المحكمة العسكرية الدائمة قد احسنت بتطبيق القانون لهذه الجهة، ويقتضي رد هذا السبب لعدم قانونيته.

