التبويبات الأساسية

نحو لامركزيّة موسّعة ماليًا وإداريًا: خيار اصلاحيّ وطنيّ لا بديل منه

نحو لامركزيّة موسّعة ماليًا وإداريًا: خيار اصلاحيّ وطنيّ لا بديل منه

نحو لامركزيّة موسّعة ماليًا وإداريًا: خيار اصلاحيّ وطنيّ لا بديل منه
ان المركزيّة هي نوع من التنظيم الإداري للدولة الموحّدة تقوم على تخلّي الدولة عن إدارة بعض المرافق العامة لاشخاص معنوييّن يتميّزون عنها باستقلالهم ويخضعون لرقابتها المستمرّة، ولقد كان ظهورها بعامل من تطوّر الدولة وعجزها من أن تحقّق بنفسها جميع ما التزمت بتحقيقه، وقد تمّ اعتمادها كطريقة جديدة في تسيير المرافق العامة وإدارة شؤونها.
لا يمكن ان يستمرّ الحديث عن اللامركزيّة في لبنان محصورًا بالإطار الإداريّ فقط، لان الاكتفاء بهذا التوجه بمعزل عن تمويل فعّال ومستدام لا يحقق الأهداف المرجوّة منه، لا على مستوى الإنماء المتوازن، ولا على صعيد إشراك جميع المناطق والمكوّنات اللبنانيّة في مسار التنمية الشاملة والمتكاملة وتعزيز الديمقراطيّة المحليّة التي تعتبر من أهمّ الوثبات المطلوبة للعبور الى الاستقرار السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ في لبنان وطيّ صفحة الماضي والتأسيس الفعليّ لجمهورية ثالثة واعدة.
تمثّل اللامركزيّة الموسّعة، التي تجمع بين التمكين الإداري والاستقلال الماليّ، خيارًا استراتيجيًا لإرساء عدالة إنمائيّة حقيقيّة وتساهم في تطوير سائر المناطق اللبنانيّة اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا وتربويًا وبيئيًا وسياحيًا... كذلك في تثبيت الإنسان بأرضه ومسقط رأسه بدلًا من دفعه إلى النزوح نحو العاصمة أو الهجرة إلى الخارج نتيجة انعدام الفرص في محيطه المحليّ.
الاجماع تام على أن النموذج المركزيّ الراهن، بما أنتجه من زبائنيّة واحتكار للقرار والخدمات، ساهم في إنتاج طبقة حاكمة متسلّطة ومافيات اقتصاديّة وسياسيّة أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار الشامل.
من هنا، لم تعد اللامركزيّة مجرّد خيار إصلاحيّ، بل ضرورة وطنيّة لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة، تُعيد توزيع السلطة وتمنح المجتمعات المحليّة القدرة على إدارة شؤونها من ضمن إطار السيادة الوطنيّة ووحدة الدولة.
ولكن لابدّ أولًا، وفي ظلّ المزج الذي يتمّ غالبًا بين اللامركزيّة وكلّ من مفهومين مختلفين تمامًا ألا وهما اللاحصريّة والفدراليّة، من الإضاءة على مفهوم اللامركزيّة الإداريّة. وهنا من الضروري الابتعاد عن المغالطات والمزج بين هذه المفاهيم، والتي تؤثّر سلبًا على اللامركزيّة وقد تكون في بعض الأحيان ساهمت بعدم الشروع في هذا الاصلاح.
البعض يمزج بين اللامركزيّة الإداريّة والفدراليّة (أو كما تسمى من قبل البعض اللامركزيّة السياسية). اللامركزيّة تختلف عن الفدراليّة. بادئ ذي بدء، الفدراليّة نظام سياسيّ أما اللامركزيّة فنظام إداريّ. الفدراليّة مصدرها الدستور، وتقوم على توزيع للسلطات بين الوحدات الجغرافيّة. أما اللامركزيّة فمصدرها القانون وليس الدستور (وبالتالي ما يعطيه المشرّع بقانون يمكن أن يأخذه بقانون)، وتقوم على منح الوحدات المنتخبة محليًا والتي تتمتع بالاستقلال الماليّ والإداريّ، صلاحيّات إداريّة واسعة.
وعلى عكس اللاحصريّة التي تقضي بتسيير مختلف إدارات الدولة مباشرة بواسطة موظّفين تابعين للسلطة المركزيّة ومعيّنين من قبلها في المحافظات والأقضية، تقوم اللامركزيّة الإداريّة على انتخاب هيئات محلّية مختلفة تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة وبالتالي بالاستقلال الماليّ والإداريّ تدير شؤون الوحدة اللامركزيّة. بالواقع، اللاحصريّة، لا تعدو كونها تمكين موظفين معيّنين (وليس أشخاص منتخبين) من قبل الإدارة المركزيّة في المحافظات والأقضية، من تقديم خدمات السلطة المركزيّة للمواطنين في أماكن سكنهم أو إقامتهم وبالتالي إعفائهم من التوجّه إلى العاصمة (مركز السلطة المركزيّة) من أجل الحصول على هذه الخدمات. يُدلى أحيانًا أنّ لبنان بحاجة إلى اللامركزيّة الإداريّة لكي يتمكّن المواطن على سبيل المثال من الحصول على سجل عدلي أو إجراء معاينة الميكانيك أو القيام ببعض المعاملات في مكان إقامته. من الواضح أنّ هناك مزجًا في هذا الإطار بين اللامركزيّة واللاحصريّة. فما يقصد به أعلاه ليس لامركزيّة وإنما لاحصريّة.

وبالتالي، يجب الإقرار بأن تطبيق اللامركزيّة في لبنان، في ظلّ الثقافة السياسيّة السائدة، يحمل مخاطر حقيقيّة من إعادة إنتاج زبائنيّة من نوع جديد، تأخذ أشكالًا محليّة لا تقلّ خطورة عن الزبائنيّة المركزيّة.
من هنا أيضا، تصبح التربية على المواطنة الفاعلة، ونشر الوعي المدنيّ، وتعزيز المشاركة المجتمعيّة، عناصر أساسيّة لضمان نجاح اللامركزيّة ومنع تحوّلها إلى أداة للتقسيم أو لتعميق الفساد.
من هنا يجب ان يتم إصدار التشريعات اللازمة لتكريس اللامركزيّة الموسّعة إداريًّا وماليًّا في سياق رؤية وطنيّة واضحة تؤكّد على وحدة الدولة اللبنانيّة، وتلتزم بما نصّ عليه الدستور اللبناني واتفاق الطائف، وما يؤكّد عليه المسؤولون والباحثون على حد سواء، لجهة أن لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه، بعيدًا من أي جنوح نحو الفدراليّة أو الانقسام.
اللامركزيّة في اصلاحات الطائف والمسؤولين:
يشكل السير نحو لامركزية حقيقية وحديثة ومتكاملة المدخل الأوحد لإنقاذ لبنان من أزماته البنيوية وإعادة بناء دولته ومجتمعه على قاعدة العدالة والكفاءة والمشاركة الفعلية. ان إتفاق الطائف من خلال اللامركزيّة أعطى اللبنانيين أكثر من مجرّد القيام بمعاملاتهم في وحدات جغرافيّة. لقد أعطاهم إمكان إدارة وحداتهم من خلال مجالس منتخبة. وتشمل إدارة الوحدات، على سبيل المثال لا الحصر، إمكان إقامة مشاريع ذات طابع إقتصاديّ، وإنتاج الطاقة وإنشاء الطرقات وصيانتها، فتؤمّن المياه والكهرباء ويتمّ الحدّ من زحمة السير من خلال مشاريع يضعها مجلس القضاء وإمكان اللجوء للشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص لتنفيذها.
وقد نص اتفاق الطائف على جملة من الاصلاحات أدرجت احداها تحت عنوان اللامركزية الإداريّة مؤكّداً ان الدولة اللبنانيّة دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزيّة قويّة وعلى توسيع صلاحيّات المحافظين والقائمقامين وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإداريّة على أعلى مستوى ممكن تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محليًّا كذلك على إعادة النظر في التقسيم الإداريّ بما يؤمّن الانصهار الوطنيّ ومن ضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات.
ومن الاصلاحات الواردة في الطائف من هذا القبيل اعتماد اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة على مستوى الوحدات الإداريّة الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق انتخاب مجلس لكلّ قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحليّة.
وورد في الطائف كذلك اعتماد خطة إنمائيّة موحّدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانيّة وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً وتعزيز موارد البلديّات والبلديّات الموحّدة والاتحادات البلديّة بالإمكانات الماليّة اللازمة.
وبهذا يكون اتفاق الطائف كرس مبدأ اللامركزيّة أحد أعمدة الإصلاح، سعيًا لتعزيز المشاركة الشعبيّة وتحقيق الإنماء المتوازن، مع الإبقاء على وحدة الدولة.
وقد ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزف عون إقرار مشروع قانون اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة بما يخفّف من معاناة المواطنين ويعزّز الانماء المستدام والشامل.
المسار التنفيذي والتشريعي لمشروع اللامركزية
ورد في وثيقة رسميّة لحكومة الرئيس الراحل إميل إده عام 1929 " أن السلطات المركزيّة تسيطر على معظم الصلاحيّات والخدمات، ولسوء الحظ هناك نوع من الضعف في الإدارات الإقليميّة، وهذا ما يعود بالسلب أيضًا على السلطات المركزيّة، لذلك وجب إعادة النظر بالتقسيمات الإداريّة".
وشكّلت اللامركزيّة إحد العناوين الرئيسيّة للإصلاح السياسيّ الشامل الذي طرحته "الحركة الوطنية"، حين شهدت ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي تصاعدًا في المطالبة بالإصلاح في النظام اللبنانيّ.
وكان النائب الراحل أوغست باخوس تقدم عام 1990 باقتراح لتعديل قانون التنظيم الإداريّ، لكنّ البرلمان لم يناقشه. وعام 1999، عرض وزير الداخلية آنذاك ميشال المر مشروع قانون يتعلق باللامركزيّة الإداريّة، تلاه عام 2007 طرح مماثل من النائب الراحل روبير غانم، إلاّ أنّ أياً من هذه المبادرات لم يسلك المسار التشريعيّ الذي يؤدّي إلى إقرار قانون ناجز.
على رغم كل هذه الطروحات المتكرّرة وسواها التي شهدها لبنان قبل الحرب وفي خلالها ومنذ تسعينيات القرن الماضي حول اللامركزيّة الإداريّة، فقد بقيت هذه المبادرات حبيسة الأدراج ولم تُترجم إلى خطوات عمليّة على طريق التشريع.
ولم تخطُ النقاشات حول اللامركزيّة الموسّعة خطوات فعليّة إلا في عهد الرئيس ميشال سليمان فقد شهدت ولايته تطوّرًا نوعيًا في هذا الملف، من خلال إنشاء لجنة متخصّصة عام 2012 برئاسة الوزير الأسبق زياد بارود، كُلّفت بوضع مشروع قانون اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة.
شكّل هذا المسعى أوّل محاولة رسميّة ومنهجيّة لتأطير النقاش وتحويله إلى نص تشريعيّ قابل للبحث العام وللإقرار لاحقًا في مجلس النواب، وهذا ما جعل من عهد سليمان مرحلة مفصلية في مسار اللامركزيّة في لبنان.
وقد أصدر الرئيس ميقاتي عام 2012 قرارًا (رقم 2012/166) شكّل بموجبه لجنة لإعداد مشروع قانون لتطبيق اللامركزيّة الإداريّة برئاسة بارود. عقدت اللجنة 47 جلسة عمل في القصر الجمهوريّ في بعبدا أنجزت خلالها مشروع قانون اللامركزيّة الإداريّة من 147 مادة، إضافة إلى التقرير الذي يفسّر مشروع القانون والأسباب الموجبة ويشرح الخيارات التي اعتمدتها اللجنة.
وقد استعانت اللجنة بخبراء في مسائل مختلفة عندما دعت الحاجة الى ذلك ثم أرسلت مشروع القانون إلى البرلمان اللبنانيّ لمناقشته واقراره.
ومع تحويل مشروع القانون إلى البرلمان، أُنشئت لجنة فرعية كلّفت بمناقشته واوكلت رئاستها الى النائب جورج عدوان، وضمّت ممثلين عن معظم الأحزاب والكتل النيابيّة. وكان من المفترض إقرار القانون نهاية عام 2019، إلا أنه وبعد اندلاع ثورة 17 تشرين وما تلاها من تطورات توقّف مسار اقرار هذا المشروع.
مبادئ مشروع قانون اللامركزية الإداريّة:
اعتمد مشروع القانون نظامًا لامركزيًا موسّعًا على مستوى مجالس محليّة منتخبة تتمتّع بالشخصيّة المعنويّة وبالاستقلالين الإداريّ والماليّ بالتالي أصبح القضاء وحدة لامركزيّة. فألغيت القائمقاميّات ووظيفة القائمقام ونقلت صلاحيّاته إلى مجلس القضاء المنتخب. الاّ انه أبقي على وظيفة المحافظ صلة وصل بين المناطق والادارة المركزيّة (عبر اللاّحصريّة) ووضع عدد من صلاحيّات المحافظ التنفيذيّة بيد مجلس القضاء المنتخب.
وأبقى المشروع على البلديّات وحدات لامركزيّة أساسيّة ولم يمس بصلاحيّاتها أو بأموالها. إلا أنه استبدل الصندوق البلديّ المستقلّ بصندوق لامركزيّ خاضع لرقابة ديوان المحاسبة المؤخّرة، من دون أي رقابة مسبقة. ونصّ على إنشاء هيئة مستقلّة خاصة للإشراف على انتخابات مجالس الأقضية ومجلس مدينة بيروت.
هذا واحتوى المشروع على مادة جوهريّة تضمن تمرير اللاحصريّة بموازاة اعتماده اللامركزيّة لئلاّ يؤدي العمل على اعتماد اللامركزيّة الإداريّة الى إهمال العمل على تطوير السلطة المركزيّة وتفعيل أجهزة الرقابة، معتمدًا على المبدأ التالي: لامركزيّة قوية بحاجة الى سلطة مركزيّة قوية وفاعلة .
تنطلق المبادئ الأساسيّة للمشروع ممّا نص عليه اتفاق الطائف وإذا كان المشروع قد أعطى أوسع الصلاحيّات للمناطق، إلاّ أنه أبقاها من ضمن الدولة الموحّدة بعيدًا من أي منحى تقسيميّ. واعتمدت الأقضية مساحة لامركزيّة، نظرًا الى شرعيّتها التاريخيّة بشكل أساسيّ. واستحدث صندوق لامركزيّ يحلّ مكان الصندوق البلدي المستقلّ ويكون أعضاء مجلسه منتخبين، ويعمل وفقاً لقواعد منهجيّة تراعي ضرورة الإنماء المتوازن وتحفيز النمو المحلّي، إضافة إلى تفاصيل أخرى منها على سبيل المثال تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتحفيزها لتنفيذ مشاريع مختلفة، وإنشاء هيئة مستقلّة للانتخابات المحلّية وسواها من الإصلاحات وآليات التطوير والأفكار الجديدة.
ابرز ما جاء في هذا المشروع:
اعتماد القضاء وحدة لامركزيّة على أن يمثل كل قضاء مجلس ينتخب مباشرة من الشعب. أما بالنسبة الى محافظة عكار فقد اقترح المشروع تقسيمها إلى ثلاثة أقضية (حلبا، ببنين، القبيات) ومحافظة بعلبك الهرمل إلى خمسة أقضية (بعلبك، شمسطار، اللبوة، الهرمل، دير الأحمر).
تتألف مجالس الأقضية من هيئة عامّة ومجلس إدارة. في ما يتعلّق بالهيئة العامّة يُنتخب أعضاؤها بالاقتراع المباشر وفق النظام الأكثريّ في كل من المدن والقرى من ضمن القضاء الواحد.
إن كل مدينة أو قرية يكون عدد أهاليها المسجّلين فيها من شخص واحد إلى 5000 شخص، تتمثّل في الهيئة العامّة بعضو واحد. أما المدينة أو القرية التي يكون عدد أهاليها المسجّلين بين 5000 و10,000 شخص، فتتمثّل بعضوين، ومن 10,000 إلى 20,000 شخص بثلاثة أعضاء، وهكذا دواليك.
انسجاماً مع مبدأ المساواة، خصّ المشروع السكان الذين يقطنون في المدينة أو البلدة (وهم من خارج القضاء) لمدة ست سنوات من دون انقطاع مسددين الرسوم والضرائب البلدية المتوجّبة، أن يمارسوا حق الاقتراع لممثلين عنهم من السكان الذين يترشحون على مستوى القضاء.
يحقّ لكل مواطن أتمّ الـ21 عاما من عمره أن يترشّح لعضويّة مجلس القضاء، وقد نصّ المشروع على أن شرط الشهادة الجامعية أساسيّ للترشّح إلى عضويّة مجالس الإدارة في مجالس الأقضية.
ويفوز بالانتخاب لعضويّة الهيئة العامة في كل دائرة المرشح الذي ينال العدد الأكبر من أصوات المقترعين، وإذا تساوت الأصوات يفوز الأصغر سناً وليس الأكبر سناً فضلا عن اعتماد الكوتا الجندريّة داخل الهيئة العامة تعزيزاً لدور المرأة ومشاركتها.
أما مجلس إدارة القضاء المنبثق من الهيئة العامة، فيتألف من 12 عضوًا يُنتخبون من الهيئة العامة على أساس النظام النسبيّ واللائحة المقفلة (المكتملة وغير المكتملة) ولها صلاحيات تنفيذيّة، أبرزها:
ـ وضع خطة استراتيجيّة لتنمية القضاء وعرضها على الهيئة العامة للموافقة عليها.
ـ تخطيط الأشغال وتنفيذها وتطوير البنى التحتية بما فيها السدود والبحيرات ومجاري الأنهر وإنتاج الطاقة.
ـ حماية البيئة والثروة الحرجيّة بالتنسيق مع البلديّات المعنيّة، ووضع خطّة للتنمية السياحيّة.
ـ وضع خطط للتنمية الثقافيّة وحماية التراث والإرث الثقافيّ والآثار.
ـ المساهمة في تطوير تكنولوجيا المعلومات على مستوى القضاء وحق الوصول إلى المعلومات.
ـ تخطيط الطرقات الواقعة من ضمن نطاق القضاء وإنشاء الحدائق والساحات العامة والملاعب والمجمّعات الثقافيّة، إلخ.
ـ إنشاء الأجهزة المختصة لتمكين مجلس القضاء من ممارسة المهمّات الموكلة إليه (على سبيل المثال، جهاز السلامة المروريّة وجهاز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلخ).
أقرّ المشروع رفع نسبة إنفاق الإدارات المحليّة من إجمالي إنفاق الحكومة المركزيّة. حيث يتم تأمين %40 من هذا المبلغ من خلال الصندوق اللامركزيّ، وحيث تقوم وزارة المالية فصلياً بتحويل الأموال العائدة للصندوق التي تستوفيها لصالح الأقضية والبلديّات.
ويموّل هذا الصندوق من خلال الآتي: 25 في المئة من الضريبة على القيمة المضافة، 10 في المئة من إجمالي فواتير الهاتف الخليويّ، 25 في المئة من إيرادات الجمارك، 5 في المئة من مداخيل شركة اللّوتو، و25 في المئة من رسوم الإنتقال على التركات والوصايا.
من منطلق أنه لا يمكن منح صلاحيات من دون فرض رقابة، نصّ المشروع على الرقابة الشعبية المباشرة من خلال انتخاب الهيئة العامة والرقابة الداخلية التي تتمثّل بحق الهيئة العامة في طرح الثقة بمجلس الإدارة كاملاً أو أحد أعضائها.
وتضمن المشروع كذلك رقابة للسلطة المركزيّة وقدرتها على حلّ مجالس إدارة الأقضية في حال مخالفته أحكام الدستور، على أن يُعلّل مرسوم الحلّ الذي يُتّخذ في مجلس الوزراء ويبقى قابلاً للطعن أمام مجلس شورى الدولة.
أما مدينة بيروت فلها وضع خاص في المشروع حيث تضمّن حلاً لمجلس بلدية بيروت خلافاً لباقي المدن والقرى التي تحتفظ البلديّات بوجودها وصلاحيّاتها. وحيث تم اقتراح ان يدير شؤون مدينة بيروت مجلس يُسمّى مجلس مدينة بيروت، ويتألّف من هيئة عامة ومن مجلس إدارة مع مراعاة التنوّع الطائفيّ القائم في المدينة.
ولهذه الغاية لحظ المشروع انتخاب عدد محدد من الممثلين على مستوى كل حيّ من أحياء بيروت التاريخيّة الإثنتي عشرة وفور انتخابه يحلّ مجلس مدينة بيروت مكان مجلس بلدية بيروت.
تنتخب كل دائرة خمسة ممثّلين عنها في الهيئة العامة، وينتخب السكان في كل دائرة ممثلاً واحدًا عنها ليكون عضوًا في مجلس مدينة بيروت.
أما المحافظ فيحتفظ، بصفته ممثلاً للسلطة المركزيّة، بحق حضور اجتماعات مجلس الإدارة (من دون التصويت) والاطّلاع على أعماله وطلب إعادة النظر بقراراته بكتاب معلّل، وبحق طرح المواضيع على جدول أعمال مجلس الإدارة للمناقشة.
ينشأ جهاز للشرطة على مستوى القضاء يرتبط برئيس المجلس. وتُعتبر شرطة القضاء قوة مسلّحة من عداد الضابطة العدلية، وتتولّى: حفظ الأمن والتنسيق مع الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة وتنظيم السير بالتنسيق مع مفارز السير في قوى الأمن الداخليّ والشرطة البلديّة المختصّة ووضع تقارير بالمخالفات وتنظيم محاضر الضبط وإجراء التحقيقات الأوليّة في الجرائم المشهودة والجرائم التي تمسّ السلامة العامة وممارسة مهام الشرطة المجتمعيّة وطلب مؤازرة القوى الأمنيّة حيث تدعو الحاجة.
وفي المشروع أيضاً إنشاء غرفة عمليّات مشتركة في مجلس القضاء تضم مختلف أجهزة الشرطة البلديّة وتديرها شرطة القضاء وتؤمّن التنسيق العملانيّ والميدانيّ وإنشاء معهد مركزيّ يتولّى إعداد وتدريب العاملين والشرطة بمجالس الأقضية.
من هنا سينتخب الناخب في بلدة واحدة في اليوم نفسه مجلساً بلدياً والمخاتير وعضواً او أكثر في مجلس القضاء الذي حلّ محل القائم مقام واتّحادات البلديّات.
مكاسب اللامركزيّة الموسّعة:
تُعدّ اللامركزيّة الموسّعة خطوة مفصليّة في مسار الإصلاح الإداريّ والسياسيّ، لما تحمله من مكاسب جمّة على المستويين الوطنيّ والمحليّ. فهي تسهم في:
تحسين الأداء الإداريّ من خلال تقليص البيروقراطيّة، وتسريع اتخاذ القرارات على المستوى المحليّ.
تعزيز التنمية الاقتصاديّة المحليّة عبر تحفيز المبادرات الاستثماريّة وتنشيط الدورة الاقتصاديّة في المناطق.
تقليص الفساد والمحسوبيّات الناتجة من تركّز السلطة في العاصمة وفتح المجال أمام رقابة مجتمعيّة مباشرة.
تشجيع المساءلة والمشاركة الشعبيّة من خلال تمكين المواطنين من مساءلة ممثّليهم المحلّيين والمساهمة في صنع القرار.
تحقيق عدالة مناطقيّة حقيقيّة تضمن توزيعاً متوازناً للموارد والخدمات، وتسدّ الفجوات التنمويّة بين المناطق.
تسهم اللاّمركزيّة، في حال تطبيقها السليم، في تفادي مجموعة من الاختلالات المركزيّة، أبرزها:
احتكار العاصمة للموارد والقرار السياسيّ.
التسييس الكامل للإدارات العامة.
تفشّي الفساد وغياب آليات المحاسبة.
تهميش المناطق النائية، وتكريس الإنماء غير المتوازن.
التحديات والمخاطر:
ورغم ما تحمله اللامركزيّة من فرص فإنّ نجاحها يقتضي مواجهة عدد من التحدّيات البنيويّة والسياسيّة، أبرزها:
إمكان نشوء زبائنيّة محليّة بديلة من الزبائنيّة المركزيّة، وهو ما قد يؤدّي إلى تكرار أنماط الفساد عينها.
ضعف البنية التحتيّة الإداريّة في الأطراف، ممّا يعوق التنفيذ الفاعل للمهام الموكلة إلى السلطات المحليّة.
غياب الإحصاءات والتخطيط العلميّ، مما يؤدّي إلى سوء توزيع الموارد وفشل في تحديد الأولويّات.
مقاومة النخبة المركزيّة الحاكمة، التي قد ترى في اللامركزيّة تهديداً لسلطتها ونفوذها.
الهواجس الطائفيّة المرتبطة بإمكان توظيف هذا المشروع غطاء لتقسيم سياسيّ أو أمني غير معلن.
تحديات التمويل في ظل الانهيار الماليّ العام، مما يهددّ استدامة المشروع.
شروط نجاح اللامركزية الموسعة:
يتوقف نجاح مشروع اللامركزيّة على مجموعة من الشروط الأساسية التي تضمن فعاليته وعدالته، منها:
اقرار قانون دقيق وواضح يحدّد الصلاحيّات والمهام والعلاقات بين السلطات المركزيّة والمحليّة.
تحقيق الاستقلال الماليّ الفعلي للسلطات المحليّة، بما يتيح لها تنفيذ برامجها من دون ارتهان للسلطة المركزيّة.
بناء قدرات الكوادر الإداريّة المحلّية من خلال التدريب والتأهيل المستمر.
إنشاء هيئة وطنية مستقلّة تتولّى الإشراف على تنفيذ اللامركزيّة ورقابة حسن تطبيقها.
اعتماد أدوات الحوكمة الرقميّة بما يضمن الشفافيّة والمساءلة (مثل الحكومة الإلكترونيّة المحليّة).
إرساء خطاب وطنيّ موحّد يميّز بين اللامركزيّة والفدراليّة، ويبعد المشروع عن التجاذبات السياسيّة والطائفيّة.
إشراك القوى السياسيّة والمجتمع المدنيّ في صياغة وتنفيذ المشروع، لضمان أوسع قاعدة دعم مجتمعيّ وسياسيّ.
توصيات عمليّة:
لتأمين الإقلاعة السليمة لمشروع اللامركزيّة الموسّعة، لا بدّ من اتّخاذ خطوات عمليّة مدروسة، تتمثّل في:
الإسراع بمناقشة القانون داخل البرلمان، والسعي إلى بلورة توافق وطنيّ جامع حوله.
إطلاق حملة توعية مجتمعيّة شاملة تسلّط الضوء على فوائد المشروع وانعكاساته الإيجابيّة.
تحصين المشروع قانونيًا وفنيًا للحؤول دون انزلاقه نحو مسارات طائفيّة أو تقسيميّة.
إطلاق برامج تمويل دوليّة مخصّصة لدعم البنية التحتيّة الإداريّة والتنمويّة للسلطات المحليّة.
تعزيز دور القضاء المركزيّ مرجعيّة ضامنة للشفافيّة والمساءلة والمراقبة.
مراعاة التوازن الطائفيّ في توزيع الصلاحيّات، بما يعزّز الثقة بالمشروع ويكرّس الانتماء الوطنيّ.
خاتمة:
ليست اللامركزيّة الموسّعة مجرّد خيار إداريّ بعدما تحوّل اصلاحاً بنيوياً في شكل الدولة اللبنانيّة... وقد تكون من أفضل السبل لتحقيق عدالة مناطقيّة، وإدارة كفوءة، ومشاركة شعبيّة واسعة.
ومع أن التحدّيات كبيرة، فإن الإرادة السياسيّة والمجتمعيّة قادرة على إنجاح هذا المشروع، متى توافرت الرؤية الوطنيّة والشفافيّة في التطبيق.
لعل أولى العقبات التي تعترض سير "اللامركزيّة الإدارية الموسّعة" هي ازدواجيّة التعبير بالذات وصعوبة التوصل إلى نظرة موحدة بشأنها، في خضمّ التنافرات السياسيّة والطائفيّة التي لا يقرّ لها قرار، حيث يُخشى، في ظل الممارسات السياسيّة الراهنة، أن يتحوّل النقاش السياسيّ حول إصلاح اللامركزيّة الإداريّة إلى مفاوضات حول حصص ومصالح يتقاسمها الزعماء في ما بينهم، ما يفسد نوعيّة الإصلاح وتطبيقاته على الأرض.
ناهيك بالتصوّرات المغلوطة، كأن تُنسب إلى اللامركزيّة سلسلة إيجابيّات لم تثبت صحّة أي منها، كقولهم: إن اللامركزيّة تساهم في الحد من البيروقراطية وفي تسهيل المعاملات الإداريّة على المستوى المحلّي، علمًا أن مثل هذا التغيير يحققه، كما أسلفنا، إصلاح اللاحصرية من خلال توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين والمختارين، لا صلاحيات السلطات اللامركزيّة.
عدا ذلك، ليس ما يضمن أن يؤدّي استحداث مجالس لامركزيّة إضافيّة إلى الحد من الفساد وترشيد الحكم، نظرًا إلى سوء الذهنية الإداريّة المنتشرة في العديد من البلديّات اللبنانيّة وإلى التجاوزات الشائعة في مجالات الشراء والتلزيم والتعاقد، والممارسات المحاسبيّة، بما تنطوي عليه هذه الممارسات من صفقات سريّة. إن استحداث مجالس لامركزيّة إضافيّة لا يعني تحقق الشفافيّة بالضرورة، إذ ما أدرانا أن تكون على غرار المجالس اللامركزيّة الحاليّة – أي المجالس البلديّة – التي قلما تُعنى بنشر قراراتها ووثائقها وأخبارها وموازناتها المفصّلة وبياناتها الماليّة. كما أنه لا يوجب إطلاق حس المساءلة، الذي يكاد يكون غائباً عن دائرة الحكم الأكثر قربًا إلى المواطنين، أعني الدائرة البلديّة. أما الدراسات العلميّة حول اللامركزيّة، فلم تتمكن من إثبات أي علاقة إيجابية بين اللامركزيّة ومستوى المعيشة.
خلاصة القول، إن مشروع "اللامركزية الإدارية الموسعة" لن يحقّق النجاح المرجوّ ما لم تنشأ في لبنان طبقة سياسيّة وتشريعيّة قادرة على استيعاب أهداف الإصلاح المذكور بكامل أبعاده وإشكاليّاته، وتبدأ الإدارات المحليّة اللامركزيّة القائمة باعتماد المكننة، فاتحةً المجال أمام الرقابة الشعبيّة والحوكمة الرشيدة. وإلاّ فأي جدوى من إنشاء مستويات لامركزيّة إضافيّة لن تكون أفضل حالاً من المستويات القائمة؟

editor1

وُلد المحامي جوزف أنطوان وانيس في بلدة الحدث قضاء بعبدا _ محافظة جبل لبنان _ عام 1978، وتربّى منذ طفولته على حُبّ الوطن والتضحية من أجل حريّة وسيادة واستقلال لبنان. درس الحقوق في الجامعة اللبنانية _ كلّيّة الحقوق والعلوم السياسيّة _ الفرع الثاني، وتخرج فيها حاملًا إجازة جامعيّة عام 2001، وحاز في العام 2004 دبلوم دراسات عُليا في القانون الخاصّ من جامعة الحِكمة _ بيروت. محامٍ بالاستئناف، مُنتسب إلى نقابة المحامين في بيروت، ومشارك في عدد لا يُستهان به من المؤتمرات والندوات الثقافيّة والحقوقيّة اللبنانيّة والدوليّة والمحاضرات التي تُعنى بحقوق الإنسان.

Related Posts
Comments ( 0 )
Add Comment