الفدراليّة مفهومها ونطاق تطبيقها
الفدراليّة
الفدراليّة نظام حكم تُقسَّم فيه السلطات السياسيّة والدستوريّة بين حكومة مركزيّة ووحدات إقليميّة (ولايات اوأقاليم او كانتونات...) من ضمن إطار دستوريّ واحد. وهو يضمن درجة متوازنة من الاستقلاليّة لكلّ طرف، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين وحدة الدولة وخصوصيّة أقاليمها.
تُعدّ الفدراليّة خيارًا واقعيًا وعمليًا للكثير من الدول التي تسعى لتحقيق الاستقرار السياسيّ والعدالة الاجتماعيّة من ضمن وحدة الدولة. غير أنّها تتطلّب وعيًا سياسيًا ومؤسّسات قويّة لضمان توازن العلاقة بين الحكومة المركزيّة والأقاليم وتحقيق الأهداف المرجوة من دون الانزلاق نحو التفكّك أو الفوضى.
النشأة والتطور التاريخيّ
يعود أصل الفدراليّة إلى الكلمة اللاتينية foedus التي تعني "اتّفاقا" أو "تحالفا". وقد ظهر مفهومها منذ العصور القديمة لتنظيم العلاقات بين الكيانات السياسيّة المختلفة وبدأ مع الإغريق الذين أسّسوا اتّحادات للدفاع المشترك، وبرز لاحقًا في الإمبراطوريّة الرومانيّة التي منحت حكماً ذاتياً لبعض المقاطعات.
وفي خلال العصور الوسطى تطوّرت الفدراليّة في أوروبا، خصوصًا في سويسرا التي انتقلت من اتّحاد كونفدراليّ إلى نظام فدراليّ متكامل.
يشترك مصطلحا "الفدراليّة" و "الكونفدرالية" في الكلمة اللاتينية foedus ، والتي تعني "معاهدة أو ميثاقا أو عهدا". كان معناها المبكر والمشترك حتى أواخر القرن الثامن عشر هو رابطة بسيطة أو علاقة حكوميّة دوليّة بين الدول ذات السيادة على أساس معاهدة. لذلك كانت مرادفات في البداية.
وبهذا المعنى أشار جيمس ماديسون في الفدراليّة رقم 39 إلى دستور الولايات المتحدة الجديد على أنه "ليس دستورًا وطنيًّا ولا اتّحاديًّا ، انما تكوين لكليهما" (أي أنه لا يشكل دولة وحدويّة كبيرة واحدة ولا عصبة كونفدرالية بين ولايات صغيرة عدّة ، لكنه مزيج من الاثنين).
وفي خلال القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة ، تحوّل معنى الفدراليّة ، وتعزز للإشارة بشكل فريد إلى الشكل السياسيّ المركّب الجديد الذي تم إنشاؤه في اتفاقيّة فيلادلفيا ، بينما ظلّ معنى الكونفدراليّة في عصبة الدول.
- نماذج في التاريخ القديم:
تجلّت الأشكال الأولى للفدراليّة في العصور القديمة في تحالفات بين الدول. وبعض الأمثلة على ذلك من القرن السابع إلى القرن الثاني قبل الميلاد كانت الرابطة القديمة ، والرابطة الأيتوليّة ، والرابطة البيلوبونيسيّة ، والرابطة الديليانيّة...
الا ان السلف المبكر للفدراليّة كان الرابطة الآخائية في اليونان الهلنستية. وعلى عكس دول المدن اليونانيّة في اليونان الكلاسيكيّة ، التي أصرّ كل منها على الحفاظ على استقلالها الكامل، فقد دفعت الظروف المتغيّرة في الفترة الهلنستية بالكثير من دول المدن إلى الاتّحاد معًا حتّى على حساب فقدان جزء من سيادتها.
تضمّنت الاتّحادات اللاحقة للدول الاتّحادات السويسريّة الأولى والثانية (1291-1798 و 1815-48) ، والمقاطعات المتّحدة في هولندا (1579-1795) ، والبوند الألماني (1815-66) ، والاتّحاد الأميركيّ الأول المعروف باسم اتّحاد الولايات المتحدة الأميركية (1781-89)، والاتّحاد الأميركيّ الثاني الذي تم تشكيله باسم الولايات المتحدة الأميركية (1789-1865).
وظهرت الفدراليّة أيضًا على أيدي آباء الفدراليّة الأميركيّة أمثال جيمس ماديسون - James Madison والكسندر هاميلتون Alexander Hamiltonحيث حدّد كل منهما مجموعة من الشروط ليتشكل الاتّحاد الفدراليّ والتي كان من أهمّها ترابط دول عدّة ببعضها ترابطًا تاريخيًّا والرغبة في الاندماج الوطنيّ مع سائر الدول مع المحافظة على استقلال كلّ منها لتخفيف الآثار السلبيّة لفكرة الشموليّة، وهي بنظرهما فلسفة سياسيّة تجمع بين الاتّحاد والمركزيّة وتهدف إلى جمع الشعوب وإنشاء أمّة أو دولة على اعتبار أنّ النموذج الفدراليّ قابل للتطبيق في ظلّ الجغرافيّات المختلفة وتكمن أهميته في حالة التنوّع الثقافيّ لهذه الجغرافيّات.
الى ذلك توافرت الأصول النظريّة للنظام الفدراليّ أو الفدراليّة في كتابات الفيلسوف ورجل الدين الألماني جوهان ألتيزيوس (1557-1638) حول التنظيم السياسيّ في إطار اتّحادي تضامنيّ. وقد ضمَّن ألتيزيوس أفكارَه بشأن النظام التضامنيّ في كتاب صدر عام 1603 وحمل عنوان "السياسة: عرض منهجي ومعزز بنماذج شاهدة ومقارنة".
عرض ألتيزيوس في كتابه أفكارًا حول الفدراليّة لم تكن ليبراليّة على الاطلاق إذ ركّز على حريّة المجموعات المؤلّفة للفدراليّة أكثر من تركيزه على حريّة الفرد داخل النظام الفدراليّ. ومع ذلك يستمرّ الأب المعنويّ لفكرة النظام الفدراليّ الذي تعود نشأته في الواقع إلى ما قبل صدور كتابه بأربعة قرون.
-عمليًّا ينشأ الاتحاد الفدراليّ بإحدى الطرق الآتية:
1_ الاتّحاد بالتّجمع: من خلال اتّحاد عدد من الدّول المستقلّة لتكوين دولة واحدة وعلى سبيل المثال الولايات المتّحدة الأميركيّة، كندا، أستراليا وألمانيا. حيث اندمجت مجموعة من الدّول المستقلّة أو الولايات بين بعضها البعض بموجب اتّفاق نتيجة وجود عوامل ارتباط بينها مثل اللغة أو الدّين.
2_ الاتّحاد بالتّفكك: من خلال تفكّك دولة معيّنة إلى ولايات عدة ذات سلطات مستقلّة مثلًا البرازيل، الأرجنتين، المكسيك وفنزويلا. حيث تحوّلت الدّولة البسيطة ذات الدّستور الواحد إلى دولة مركّبة ذات دستور ثنائيّ لتنظيم إدارة الدول أو المقاطعات من جهة وترابط هذه الأخيرة مع الدّولة المركزيّة، بهدف توّزيع السّلطة بين مختلف المكونات.
_ أسباب تبني الفدرالية:
وفقا لدانيال زيبلات، هناك أربعة تفسيرات نظريّة متنافسة في الأدبيّات الأكاديميّة لاعتماد الأنظمة الفدراليّة:
1-النظريّات الفكريّة التي ترى أن الالتزام الأيديولوجي الأكبر بالأفكار اللامركزية في المجتمع يجعل الفدرالية أكثر قابلية للتبني.
2-النظريّات الثقافيّة التاريخيّة التي ترى أن المؤسّسات الفدراليّة من المرجّح أن يتم تبنّيها في المجتمعات ذات السكان المجزأة ثقافيًّا أو عرقيًّا.
3-نظريات "العقد الاجتماعيّ" التي ترى أن الفدراليّة تظهر صفقة بين العاصمة والمحيط حيث لا يكون المركز قويًّا بما يكفي للسيطرة على المحيط وأن المحيط ليس قويًّا بما يكفي للانفصال عن المركز.
4-نظريّات "قوة البنية التحتية" التي ترى أن الفدراليّة من المرجّح أن تظهر عندما يكون لدى الوحدات الفرعيّة لاتّحاد محتمل بالفعل بنى تحتيّة متطوّرة للغاية وهي بالفعل دول دستوريّة وبرلمانيّة وحديثة إداريًّا.
وقد أشار إيمانويل كانط إلى أن "مشكلة إقامة دولة يمكن حلّها حتى من قبل أمّة من الشياطين" طالما أنهم يمتلكون دستورًا مناسبًا يضع الفصائل المتعارضة ضدّ بعضها البعض داخل نظام من الضوابط والتوازنات خصوصًا اذا ما طلبت الدول الفرديّة اتّحادًا فدراليًّا ضمانة ضدّ احتمال الحرب.
جادل مؤيدو الأنظمة الفدراليّة تاريخيًّا بأن تقاسم السلطة المتأصّل في الأنظمة الفدراليّة يقلّل من تهديدات الأمن الداخليّ والتهديدات الخارجيّة. اذ تسمح الفدراليّة للدول بأن تكون كبيرة ومتنوّعة، ممّا يخفّف من خطر وجود حكومة استبداديّة من خلال مركزيّة السلطات.
_ ابرز ركائز الفدرالية:
1 _ تقسيم السلطة (Division of Power) – حيث يتم توزيع السلطات بين الحكومة المركزيّة والحكومات الإقليميّة وفقًا لدستور مكتوب.
في الاتّحاد عادةً يتم تحديد تقسيم السلطة بين الحكومة الفدراليّة والحكومات الإقليميّة في الدستور. حيث تسمح كل دولة تقريبًا بدرجة معيّنة من الحكم الذاتيّ الإقليميّ، اذ في الاتّحادات يكون الحقّ في الحكم الذاتيّ للدول المكوّنة راسخًا دستوريًّا. وغالباً ما تمتلك الولايات المكوّنة أيضًا دساتيرها الخاصة التي قد تعدّلها على النحو الذي تراه مناسبًا، على رغم أنّه في حالة حدوث تعارض، عادةً ما تكون الأسبقيّة للدستور الفدراليّ.
وفي جميع الاتّحادات تقريبًا تتمتّع الحكومة المركزية بسلطات السياسة الخارجيّة والدفاع الوطني سلطات فدراليّة حصريّة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان الاتّحاد دولة واحدة ذات سيادة، وفقًا لتعريف الأمم المتحدة.
جدير ذكره أن ولايات ألمانيا تحتفظ بالحقّ في التصرف نيابة عنها على المستوى الدوليّ ، وهو شرط تم منحه في الأصل مقابل موافقة مملكة بافاريا على الانضمام إلى الإمبراطوريّة الألمانيّة عام 1871. حيث تنص دساتير ألمانيا والولايات المتحدة على أن جميع السلطات غير الممنوحة على وجه التحديد للحكومة الفدراليّة تحتفظ بها الولايات.
وينصّ دستور بعض البلاد، مثلا كندا والهند، على أن السلطات غير الممنوحة صراحة لحكومات المقاطعات او الولايات تحتفظ بها الحكومة الفدراليّة. ويخصص الدستور الأستراليّ للحكومة الفدراليّة (كومنولث أستراليا) مثلاً سلطة سنّ قوانين حول بعض الأمور المحددة التي اعتبرت صعبة للغاية بالنسبة للولايات لإدارتها، حيث تحتفظ الولايات بجميع مجالات المسؤوليّة الأخرى.
وبموجب تقسيم سلطات الاتحاد الأوروبيّ في معاهدة لشبونة، تحتفظ الدول المكوّنة للسلطات التي لا تكون من اختصاص الاتّحاد حصرًا أو تتقاسمها بين الاتّحاد والدول الأعضاء باعتبارها سلطات مشتركة.
.2مرجعية الدستور وسيادته: توفر الفدراليّة ضمانات دستوريّة لسلطات جميع المستويات الحكوميّة، حيث يتم تحديد اختصاص وسلطة كل مستوى منها في الدستور. (Constitutional Supremacy) – الذي يحدّد حقوقًا وواجبات لكل مستوى من مستويات الحكم لمنع النزاعات.
3-وجود حكومات إقليميّة قويّة (Regional Autonomy) – حيث تتمتّع الأقاليم أو الولايات بصلاحيّات واسعة في مجالات محدّدة مثل التعليم، الصحّة، والقانون المحليّ.
4-المشاركة في الحكم (Shared Governance) – : حيث تشارك الحكومات المحليّة في صنع القرارات الوطنيّة من خلال المجالس التشريعيّة الاتّحادية.
5-ازدواجيّة القوانين (Dual Legal System) – : قد تكون لكل ولاية أو إقليم قوانينها الخاصة إلى جانب القوانين الفدراليّة.
6-مستويات عدّة للحكومة: إذ هناك مستويان أو أكثر للحكومة، حيث تمتلك الهند مثلا ثلاثة مستويات على هذا الصعيد.
7-استقلاليّة القضاء: يعد القضاء جوهر الحكومة الفدراليّة، حيث تقوم المحاكم بتفسير الدستور واختصاصات مختلف المستويات الحكوميّة وبحلّ النزاعات التي قد تنشأ بين هذه المستويات.
8-الاستقلال الماليّ: تحدّد الفدراليّة مصادر الإيرادات لكل المستويات الحكوميّة، حيث يستطيع كل مستوى إدارة هذه المصادر وفرض الضرائب وجمع الأموال من خلال بعض المؤسّسات الربحيّة.
9-توزيع الصلاحيّات: تحكم المستويات الحكوميّة المختلفة جميع فئات المواطنين، الا انّه سيكون هذا الحكم حسب اختصاص كلّ مستوى من حيث الإدارة والتشريعات وفرض الضرائب.
_ صلاحيات الدّولة الفدراليّة:
تحتفظ الدّول الاتحاديّة بوظائف الدّولة الأساسيّة وتترك الوظائف الثانويّة للدّول الاعضاء. ومن الوظائف الأساسيّة للدولة الفدراليّة: السياسة الخارجيّة و الصلاحيّات النقديّة والماليّة وقرارا السلم والحرب وتأليف القوى العسكريّة واحتفاظ القضاء الفدراليّ بالمنازعات بين الولايات من جهة وبينها وبين الاتّحاد من جهة أخرى ويمتّع مواطني الدولة الفدراليّة بجنسيّتها.
أمّا الدويلات فتمارس الوظائف الثانويّة وتتمتّع بالسيادة الدّاخليّة وتنظّم الحريّات الأساسيّة وتهتم بالمجال الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
-التغيير الدستوري:
غالبًا ما تكون لدى الاتّحادات إجراءات خاصة لتعديل الدستور الاتحاديّ الذي يعكس الهيكليّة الفدراليّة للدولة، وهو ما قد يضمن عدم إلغاء وضع الحكم الذاتيّ للدول المكوّنة من دون موافقتها.
ومن الامثلة في هذا المجال حتميّة التصديق على تعديل دستور الولايات المتّحدة من قبل ثلاثة أرباع المجالس التشريعيّة للولايات، أو المؤتمرات الدستوريّة المنتخبة خصيصًا في كل ولاية، قبل أن يدخل حيز التنفيذ.
و في الاستفتاءات لانجاز أيّ تعديل دستوريّ في أستراليا وسويسرا مثلًا، فان تأييد الاقتراح لا يحصل فقط من قبل الأغلبيّة المطلقة للناخبين في الأمّة ككل، انما أيضًا من قبل أغلبيّة منفصلة في كلّ من أغلبيّة الولايات أو الكانتونات.
ينصّ بعض الدساتير الفدراليّة أيضًا على أن بعض التعديلات الدستوريّة لا يمكن أن يحدث من دون حصول الموافقة بالإجماع من قبل جميع الولايات أو من قبل ولاية معيّنة. ففي دستور الولايات المتحدة مثلًا لا يجوز حرمان أيّ ولاية من التمثيل المتساوي في مجلس الشيوخ من دون موافقتها. وفي أستراليا، إذا كان التعديل المقترح سيؤثّر على وجه التحديد على ولاية واحدة أو أكثر، فلا مجال الاّ بإقراره من خلال استفتاء في كل من تلك الولايات.
أنواع الفدراليّات عالميًا:
1-الفدرالية التعاقديّة:
تتأسّس من خلال اتّفاق طوعيّ بين وحدات سياسيّة مستقلّة سابقًا، تتّفق على الاتّحاد في إطار دستوريّ موحّد (الولايات المتحدة وسويسرا مثلا).
2-الفدرالية القسريّة:
تُفرض من فوق عادة بعد صراع داخلي أو جزءًا من عمليّة بناء الدولة، حيث تفرض الحكومة المركزيّة النظام الفدراليّ على الأقاليم ( إثيوبيا ونيجيريا في مراحل معيّنة مثلاً).
3-الفدرالية الإثنية:
تُبنى على أساس توزيع السلطة وفقًا للانتماءات العرقيّة أو القوميّة، مثلما هي الحال في بلجيكا أو إثيوبيا، وقد تؤدّي إلى الاستقرار أو إلى تعزيز الهويّات الفرعيّة بشكل سلبيّ.
4-الفدرالية الإدارية:
يتم فيها توزيع السلطات بشكل إداريّ لا سياسيّ، حيث تحتفظ الحكومة المركزيّة بالسلطة العليا، مع تفويض بعض الصلاحيّات للإدارات المحلّيّة ( بعض تطبيقات النظام المتّبع في روسيا مثلاً).
هيكلية الدولة الفدرالية:
1-السلطة التشريعية:
عادة ما تتكوّن من غرفتين:
-مجلس النواب (أو الشعب): يُمثّل السكّان.
-مجلس الشيوخ (أو الولايات): يُمثل الكيانات الفدراليّة بالتساوي أو حسب عدد السكان.
تتضمّن هياكل معظم الحكومات الفدراليّة آليات لحماية حقوق الدول المكوّنة. وتعتبر إحدى الطرق المعروفة باسم "الفدرالية داخل الدولة" مثابة التمثيل المباشر لحكومات الدول المكوّنة في المؤسّسات السياسيّة الفيدراليّة.
وعندما تكون للاتّحاد هيئة تشريعيّة من مجلسين، غالبًا ما يستخدم مجلس الشيوخ لتمثيل الولايات المكوّنة بينما يمثل مجلس النواب او الشعب الأمّة ككل. وقد يستند مجلس الشيوخ الفدراليّ إلى مخطّط خاص للتوزيع، مثلما هي الحال في مجلسي الشيوخ في الولايات المتحدة وأستراليا، حيث يتم تمثيل كل ولاية بعدد متساو من أعضاء مجلس الشيوخ بغض النظر عن حجم سكانها.
بدلًا من ذلك ، أو اضافة إلى هذه الممارسة، قد يتم انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ بشكل غير مباشر من قبل الحكومة أو الهيئة التشريعيّة للولايات المكوّنة ، مثلما حدث في الولايات المتّحدة قبل عام 1913، وقد يكونون أعضاء أو مندوبين فعليّين لحكومات الولايات، مثلما هي الحال في البوندسرات الألمانيّ وفي مجلس الاتّحاد الأوروبي.
عادة ما يتم انتخاب مجلس النواب في الهيئة التشريعيّة الفدراليّة بشكل مباشر، مع تقسيم يتناسب مع عدد السكان، على رغم أن الولايات قد لا تزال تضمن في بعض الأحيان حدًّا أدنى معينًا من المقاعد.
2-السلطة التنفيذية:
تشمل رئيس الدولة (قد يكون منتخبًا مباشرة من الشعب أو من قبل ممثلي الشعب)، إضافة إلى حكومة مركزيّة، إلى جانب حكومات محلّية لكلّ وحدة فدراليّة تمارس صلاحيّاتها المنصوص عليها دستوريًا.
3-السلطة القضائية:
تُعتبر المحكمة الدستورية أو المحكمة العليا المرجع في فضّ النزاعات بين الحكومة المركزيّة والوحدات الفدراليّة كذلك في تفسير الدستور الفدراليّ.
- نماذج دول فدراليّة:
هناك 27 دولة حول العالم تبنّت النظام الفدراليّ، ممّا يعني أن السلطة فيها موزعة بين حكومة اتّحادية وحكومات الولايات أو المقاطعات أو الأقاليم المكوّنة لها.
1-الولايات المتحدة الأميركية:
أول دولة تبنت النظام الفدراليّ رسميًا وهي تتكوّن من 50 ولاية تتمتّع بصلاحيّات تشريعيّة وتنفيذيّة مستقلّة ويُعد الدستور المرجع الأعلى للعلاقة بين الحكومة الفدراليّة والولايات.
2- ألمانيا:
فدراليّة تعاونيّة ومتقدّمة تقوم على تعاون وثيق بين الحكومة المركزيّة و16 ولاية لكلّ منها دستورها وبرلمانها، وتشترك في صياغة السياسات الوطنيّة.
تختص الحكومة الفدراليّة بالتشريع في بعض المجالات (السياسة الخارجيّة والدفاع مثلاً) وتشارك الولايات في التشريع عبر مجالس الولايات. امّا التعاون بين الحكومة الفدراليّة والولايات فهو جوهريّ في تنفيذ السياسات (التعليم والأمن الداخلي مثلا).
3- سويسرا:
فدراليّة لا مركزيّة جدًا وهي تتكوّن من 26 كانتونًا وتمتاز بتقاليد ديمقراطيّة قويّة ومشاركة شعبيّة واسعة في اتّخاذ القرار من خلال الاستفتاءات.
يُمكن القول إن الفدراليّة وُجدت على أرض الواقع قبل أن يُنظر لها الفلاسفة في كتاباتهم، بالتالي فهي تجربة سياسيّة واجتماعيّة حيّة أكثر منها نظريّة فلسفيّة ألهمت خيارات سياسيّة لاحقًا.
وفي عام 1291، قام عهد دفاعي بين كانتونين في سويسرا هما شويز وأنتروالد أسّس لاحقًا لقيام الفدراليّة السويسريّة التي اعتمدت في البداية النظام الكونفدراليّ القائم على اتحاد كيانات سياسيّة مستقلّة، وتفويضها صلاحيّات سياسيّة وتنفيذيّة لحكومة مركزيّة تُمثل فيها تلك الكيانات.
بيد أن الدولة الفدراليّة مثلما هي معروفة اليوم قامت لأول مرة بموجب دستور الولايات المتحدة الأميركية الصادر عام 1787.
4-الإمارات العربية المتحدة:
اتّحاد فدراليّ او بعبارة أخرى فدراليّة خاصّة ومحدّدة الصلاحيّات وهي مكوّنة من سبع إمارات لكلّ إمارة حاكم وسلطة تشريعيّة محلّية يتمتّع كلّ منها بصلاحيّات واسعة من ضمن إطار اتّحادي يضم مجلسًا أعلى للاتحاد ورئاسة دوريّة.
يمنح الدستور الإماراتيّ الحكومة الفدراليّة سلطات في الدفاع والأمن والسياسة الخارجيّة والصحّة والتعليم وتتمتّع الإمارات بقدر من الاستقلال خصوصًا إمارتا أبوظبي ودبي.
امّا النظام فيجمع بين الفدراليّة والطابع التقليديّ للأنظمة الملكيّة.
5- كندا:
نموذج فدراليّ يجمع بين الثنائيّة اللّغويّة (الإنكليزيّة والفرنسيّة) والتنوّع الإقليميّ، ويضم عشر مقاطعات وثلاثة أقاليم، مع درجة عالية من الاستقلاليّة.
وتسيطر الحكومة الفدراليّة على العلاقات الخارجيّة والدفاع والهجرة. ول"كيبك" وضع خاص من حيث حماية الهويّة الثقافيّة واللغة الفرنسيّة.
6-الهند:
فدراليّة تشبه المركزيّة وهي تتكّون من ولايات وأقاليم اتّحادية ولكلّ ولاية حكومة خاصة بها.
يمنح الدستور الهنديّ الحكومة المركزيّة سلطات واسعة ولا سيما في قضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجيّة ويتم توزيع السلطات عبر ثلاث قوائم: القائمة الاتّحادية وتلك الولائيّة والقائمة المشتركة.
ويمكن للبرلمان المركزيّ تغيير حدود الولايات أو دمجها من دون موافقة الولاية نفسها وهو ما يُضعف الطابع الفدراليّ.
7-العراق:
فدراليّة غير مكتملة التطبيق وينص الدستور العراقي الموضوع عام 2005 على أن العراق "دولة اتّحادية".إقليم كردستان هو الإقليم الفدراليّ الوحيد حاليًا الذي له حكومته وبرلمانه.
أمّا المحافظات الأخرى فتتمتّع بصلاحيّات محدودة لكنها يمكن أن تتحوّل إلى أقاليم اتّحاديّة.
8-إثيوبيا:
فدراليّة إثنيّة تتكوّن من أقاليم قوميّة ومقسّمة على أساس عرقيّ أو لغويّ.
ولكلّ إقليم حقّ الانفصال بموجب المادة 39 من الدستور الإثيوبيّ.
وللأقاليم حكومات ودساتير خاصة بها ويواجه النظام الاثيوبيّ تحدّيات بسبب التوتّرات العرقيّة والصراعات الداخليّة.
- مزايا الفدرالية:
-الحماية ضد الطغيان والاستبداد: تعد عمليّة تقسيم السلطة بين الحكومة الوطنيّة والمحليّة من أهمّ روادع الاستبداد والظلم.
-نشر السلطة وتقسيمها: يتم تقسيم السلطة ونشرها لئلا تتركز في شخص أو مجموعة صغيرة من الأشخاص، حيث تميل القوة المفرطة للتحوّل الى فاسدة.
-زيادة مشاركة المواطنين: تعد الحكومات المحليّة أقرب إلى المواطنين من الحكومات المركزيّة، مما يزيد من قدرة المواطن على التأثير في سياسات الحكومة وسنّ القوانين.
-تأسيس حكومات أكثر فعاليّة: يسمح توزيع السلطة لكل ولاية بحلّ مشاكلها بنفسها، ومن الصعب على الحكومة المركزيّة الوصول إلى حلول لجميع مشاكل الدولة، ممّا يشكّل نظامًا أكثر كفاءة وفعاليّة.
-إدارة النزاعات: يسمح هذا النظام للمجتمعات والولايات المختلفة بإنشاء سياساتها الخاصة في حلّ النزاعات، فليس من الضرورة بمكان أن تكون هذه السياسات مقبولة في جميع أنحاء الدولة.
-تشجيع الابتكار في القانون والسياسة: قد تطبّق الولايات المختلفة سياسات مختلفة، وبذلك يمكن تجربة أكبر مجموعة ممكنة من السياسات، ثم اختيار أكثرها فعاليّة لتطبّق في الدولة بأسرها.
-إدارة التعدديّة والتنوّع: تُتيح استيعاب الاختلافات الثقافيّة واللغويّة والدينيّة.
-المرونة في الحكم: توزيع السلطة يسمح بالاستجابة الفعّالة للاحتياجات المحليّة.
-الحدّ من الاستبداد: التوزيع الأفقيّ والعاموديّ للسلطة يمنع تركّزها.
-تشجيع الابتكار: الأقاليم قادرة على تجربة سياسات مختلفة من ضمن إطار موحّد.
-عيوب الفدراليّة:
1-تعقيد النظام السياسيّ: كثرة مستويات الحكم قد تؤدّي إلى بطء في اتّخاذ القرار.
2-التنازع بين السلطات: قد تنشب صراعات بين الحكومة المركزيّة والأقاليم حول الصلاحيّات.
3-التمييز بين الأقاليم: التفاوت في الثروات أو الكثافة السكانيّة قد يؤدّيان إلى عدم المساواة.
4-تعزيز الانفصاليّة: قد تُستخدم الفدراليّة غطاء للمطالبة بالاستقلال.

